المقالات | اضغط هنا للمزيد



صوت العراق - Voice of Iraq - الاخفاق الدرامي في مسلسل "باب الشيخ" بقلم: محمود الوندي
الاخفاق الدرامي في مسلسل "باب الشيخ"


بقلم: محمود الوندي - 23-08-2012 | (صوت العراق) | نسخة سهلة الطبع
اطل علينا في شهر رمضان الفضيل المسلسل العراقي " باب الشيخ " من على قناة العراقية الفضائية ، شبه الرسمية ، وهو عبارة عن دراما سياسية واجتماعية عراقية تدور احداثها في ستينات القرن الماضي ، ويتضمن حوارات ومواقف عن أهم الأحداث التاريخية التي مرت بالعراق إبان حكم البعث ، وقد تناول قصة حب عراقية تواجه عددا من المشاكل الاجتماعية ، وسلط الضوء على الحياة البغدادية والقيم النبيلة والعادات والتقاليد القديمة ، اشترك ببطولته نخبة من الممثلين العراقيين وفي مقدمتهم الفنان القدير " غالب جواد واحمد طعمة والفنانة القديرة اسيا كمال وغيرهم " وإخراج " أيمن ناصر " ، وتدور أحداثه في منطقة باب الشيخ ببغداد ، ويبرز مخرجه أيمن ناصر الدين فاصلا ساخنا من الحياة العراقية المتوترة في ظل الانقلابات البعثية الدموية وتداعياتها على الشارع العراقي .
ومن خلال متابعتي لحلقات هذا المسلسل واحداثه التي تدور في نهاية الستينات من القرن الماضي ، اي بعد انقلاب 17 تموز 1968 وموقف اهالي باب الشيخ منه ويشير المسلسل ايضا الى احداث 8 شباط 1963 ، ومن ثم يؤشر الى تلك الاحداث التي قام بها من ابناء باب الشيخ لمقاومة الانقلابين دفاعا عن منجزات ثورة 14 تموز وعن قائدها الشهيد عبد الكريم قاسم ، والذين تعرضوا الى الإبادة من قبل الاجهزة الامنية والحرس القومي .
ان فكرة المسلسل الجديد ولا تخلو من التشويق والاثارة لكنها مع اعتزازي بجهود المؤلف والمخرج ان بعض احداث المسلسل فيها شيء من الانحراف السياسي والتاريخي ، فقد كان المسلسل في تناوله للوضع الاجتماعي في باب الشيخ بعيدا عن الواقع تماما ، وتميز بعدم الدقة في نقله وكان يجافي الحقيقة والأمانة التاريخية . وكان من الاجدر به ان ينقل للمجتمع العراقي وحتى العربي حقيقة اهالي باب الشيخ هم من الكورد الفيلية ( وذلك يعرفه القاصي والداني ) الذين دفعوا الثمن المؤلم لتلك الاحداث ، وكان يفترض ان يشير المسلسل الى المعارضييين الحقيقيين وليس الأوهام .
هذا يعني أن الدرامة العراقية بشكل عام مازالت تنوء تحت حمل رؤية سياسة اما بتأثير قراءة غير صحيحة للواقع العراقي وأحداثه والفهم الخاطئ له ، لذلك نلاحظ التغيير المرافق للاعمال الدرامية العراقية التي تخرج من هدفها الحقيقي وبعدها الفني .
ان المسلسل لم يؤشر الى العوائل الكورديه الفيلية في باب الشيخ نهائيا التي قاومت انقلاب 8 شباط وقدمت القوافل من الشهداء في ذلك اليوم من خلال انتماءاتهم الى الاحزاب الوطنية ، وكانوا اول من المعارضين لانقلاب 17 تموز عام 1968 ، و احتضانهم للقوى الوطنية العراقية والكوردستانية (والشواهد على ذلك عديدة ولا يتسع المجال لذكرها بهذه العجالة ) ، و يغفل المسلسل الدور الحقيقي الذي لعبته القوى الوطنية في مقاومة حزب البعث في كلا مرحلتين (حيث صدرت حول تلك الاحداث عشرات الكتب الى جانب الاف المقالات) . لقد حاول المسلسل ان يحصر الموضوع في اربعة من الشبان فقط وليس لهم اي ارتباط بالجهة السياسية المعارضة ، واشارة المسلسل الى عوائل ليست من سكنة باب الشيخ ، وحاول المسلسل اعطاء دور ريادي الى احد الاحزاب الاسلامية الذي كان شريكا رئيسيا لحزب البعث في الإطاحة بحكم الزعيم الوطني في 8 شباط الاسود عام 1963 ، على الرغم لم تكن هناك الاحزاب الاسلامية فاعلة في الشارع العراقي ، وأن الهم السياسي كان محصور بين المد اليساري والقومي المُسيطر على الشارع فإن الاحزاب الاسلامية ليست ذات رصيد جماهيري أنذاك ، بالإضافة الى غياب دور رئيسي للبعثيين في المسلسل .
اعطى المسلسل لمنطقة باب الشيخ صورة ضبابية ، وتميز بضعف الحبكة الدرامية لحساب التركيز الفاقع على شخصية عبدالله المناتي في المسلسل ، اضافة الى ما رافقه من أخطاء كثيرة تخص الوقائع والحقائق اغفلها مخرج المسلسل ومؤلفه ، وكانت الحوارات مليئة بالمغالطات والبعد عن الحقيقة ، فضلا عن الكثير من التهويل والتضخيم لمواقف صعبة الحدوث وخصوصا فيما يخص تبديل الاسرى بين المسلحين وبين الاجهزة الأمنية كأن لديها السلطة المطلقة لتبديل الأسرى بعيدا عن موافقة السلطة العليا والمتمثلة بمجلس القيادة الثورة البعثية ، وكذلك الحال الى الطرف الاول كيف كان يتصرف الشخص باسم " صباح " بعيدا عن موافقة قياداته ، ومن خلاله كشف احد الأوكار الحزبية المعارضة للأجهزة الامنية . وثم تهديد ضابط الأمن الذي يرتبط بجهاز المخابرات البريطانية برسالة خطية حول تبرئته من الحزب ايام نظام الشهيد عبد الكريم قاسم ويجبره على المساوامات بينه وبين المسلحين بعيدا عن انظار حكومة البعث او باحرى عدم علمها (وهل من الممكن ان نصدق ) ، لقد نسى المخرج او المؤلف بان احمد حسن البكر تبرأ ايضا من حزب البعث من خلال وسائل الاعلام وثم اصبح رئيس العراق بعد انقلاب 17 تموز عام 1968 ، ألا يدري ذلك الشخص عن براءة البكر وهناك كثيرين على هذه الشاكلة داخل حزب البعث ولم يتحاسبوا عن براءتهم ، فكيف يخضع للمقابل برغم ارتباطه مع المخابرات البريطانية ؟!
وان الدراما السياسية يجب ان تصقل بشكل اكثر وان تبتعد على الخيال وان تاخذ منحى الجد والقصص الحقيقية ، لان المشاهد العراقي يأمل ان يشاهد عرضا نزيها وموضوعيا حول ما جري في العراق من احداث وتداعياتها ، كان من الضروري قيام المؤلف بجمع المعلومات من الاشخاص الذين عاشوا تلك المرحلة لربما كان المسلسل اكثر وضوحا في نقل الحقيقة عن الاحداث في عقد الستينات من القرن الماضي الى المجتمع العراقي والعربي لان تلك الاحداث لم تمر عليها سوى اربعة عقود ونيف من الزمن .





المقالات | اضغط هنا للمزيد

Privacy Policy